السبت، 26 مارس 2011

الفراغ قاتل

تميل النفس البشرية إلى الراحة والتهرب من المسؤوليات ، وتود لو لم تكلف بأي عمل ، لتظل منتقلة من شهوة إلى شهوة ، ومن ملذة إلى أخرى ، ومن فراش لفراش ، ساعية بين رغائبها ، طائفة حول مطالبها الحيوانية ..
لذلك هي تكره العمل والجد والتعب والنصب ، وتحب الفراغ ..
وكلنا نجد من أنفسنا ذلك ، ونحس به شعورا جامحا بين جوانحنا ..
فإذا زادت علينا مسؤولية جديدة تأففنا ن وتأوهنا ، وبدأت الأنات الداخلية تعلو ، وتربو ، متذمرة مما استجد ..
ولكن هل فراغ النفس خير لها ؟ وهل ما تطلبه يندرج في قائمة مصلحتها ..
كلا ، فإن الله تعالى يقول : " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب " ..
فإن الفراغ و الراحة والكسل والخمول والتقلب في الفرش والوسائد ، وتمضية الأوقات الطويلة هدرا لا في عمل ديني ولا دنيوي من أكبر عوامل الفساد والضياع والانحلال ، حيث أن النفس عند الفراغ تنقض على شهواتها انقضاضا ، فتلتهمها التهاما يفضي بها إلى غصص ومتاعب هضمية كبيرة ، وربما أشرقتها الجرعة أو خنقتها اللقمة من شدة نهمها ..
والوساوس الشيطانية الخبيثة تجد في قلب الفارغ الخامل مرتعا خصبا ، وموطنا مناسبا لبناء عش مجيد لبذور الضياع والفساد ..
فالشيطان وإن وسوس للعامل المجد الذي يستغل أوقاته فيما ينفع ، فلا يجده فارغا حتى للإصغاء ، أما الإنسان الذي لا عمل له ، ولا شغل يشغله ، فينصت باهتمام ، ويستمع بآذان مصغية ثم يطبق باحترام ، وينفذ الأوامر الحيوانية السبعية دون تردد ..
قال أحد الحكماء
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
وقال غيره :
ويبغض الله من الأنام ... فيما يقال كثرة المنام
وكثرة الأكل كذاك الراحة ... فانصب ففي الأخرى ترى استراحة
لذلك كان المعتقد القائم على أن الراحة سبيل الراحة خاطئ ، فالميل إلى الراحة والكسل والدعة ، ما هو إلا بريد عاجل للتعب النفسي والعصبي ، والشقاء الوجداني ، الناتج عن الانغماس في الشهوات والملذات ، وكثرة الوساوس والإيحاءات الشيطانية ..
فما الفراغ إلا منبعث الهموم والأحزان ، وذكرى للمصائب والنكبات ، ودعوة كريمة للأفكار السيئة أن تلج في سويداء القلب ، وتتحكم في الضمير والوجدان ، وتقلب لك حياتك رأسا على عقب ..
وما أوقع العاشق الصب المتأوه في عشقه ، المتعذب في حبه ، الغارق إلى ألأذقان في أمانيه الفارغة إلا الفراغ ؟
وما غمس الشاب الفتي في مستنقعات الجنس والرذيلة أو العادة السرية أو العلاقات المحرمة الآثمة أو الاهتمامات الهابطة كالأغاني والمسلسلات والأقلام والبرامج التافهة إلا الفراغ ؟
وما يجعل الشاب ينتقل من تدخين إلى سكر إلى مخدر إلى مفتر إلى ( مدمر ) إلا الفراغ ؟
وما يجعل الشاب يطوف بالشوارع سبعا وسبعين دون حاجة أو قصد أو هدف ، فيضيع وقته وجهده وطاقته إلا الفراغ ؟
فالفراغ سبب رئيس لكثر من حالات الفساد والانحلال التي نراها أمكامنا ، وركن أساس في تضييع الطاقات وهدر المواهب وقتل الأوقات ..
فأشغل نفسك دائما ، ولن تعدم شغلا ووسيلة تتخلص بها من الفراغ ، ففي القراءة والاطلاع مرتع للفكر ، وفي الكتابة ومحاولة الإبداع محضن لاستغلال الموهبة ، وفي البرامج المفيدة والمشاريع الخيرية والإصلاحية ، وإعانة الأهل والأقارب والجيران وخدمة المجتمع والأمة ، والمشاريع الاقتصادية والمهنية كسر لحاجز الفراغ ..
فالفراغ كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ..

محمد بن سعيد المسقري
Almasqri1@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق