السبت، 26 مارس 2011

الناس منازل

" أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون "
قسم المعيشة ربها ، وفاضل بين الناس فيها ربهم وخالقهم وعالم بما يصلح نفوسهم ، تذكرة وعبرة ودرسا اختبارا وابتلاء ولينظر كيف يعملون ..
فظن الناس  - أو شريحة منهم – أن التفاضل بينهم في المال والأولاد والنسب والعرق والجاه والسلطان والقوة والسمعة والشهرة وغيرها من المتاع الزائل إنما هو مقياس لقيمة الإنسان وأفضل ما يمكن أن يوزن به فعظموا وقدسوا وتزلفوا وتقربوا وقدموا الرشاوى والقرابين ، وزورا وخاتلوا وخادعوا ونافقوا وسايروا ومالئوا صاحب الباطل لسلطانه ، وخذلوا صاحب الحق لضعفه في مال أو جاه أو نسب ..
إذا مر الغني وصاحب المنصب تمثلوا له قياما ، وإن تلاه فقير أو مغمور لم يلتفت إليه أحد ولو كان فضله في الدين يبلغ عنان السماء ويطاول النجوم في علياءها !!
إذا ذكرت عريق النسب اشرأبت الأعناق لسماع ما قال وما فعل وما استجد من أمره ، وإن ذكرت ( الوضيع ) – ولا وضيع إلا من وضعه عمله السيئ – التفت الرقاب إلى الجهة الأخرى ممتعضة من ذكر الرجل !!
فالأول مزار ولم لم  يزر ، منظور إليه ولو لم ينظر إلى أحد ، مقبول كلامه ولو كان في أخفض مناطق الباطل موقعا في عين البصير ، مسلم عليه ولو كان يمر على الناس كما يمر على الحجارة والتراب !!
والثاني مهجور ومبعود لا يؤبه له ولا ينظر وقد لا يسلم عليه !!
فسبحان الله .. ما الذي ركب هذه العقول حتى رأت الباطل حقا والحق باطلا حين يلبس ثوب السلطان ، ويلبس الآخر ما لا يعرف من اللباس ؟!!
إنه الجهل والباطل الذي تشربته قلوب هذه الشريحة ..
وإلا فقد بين الله تعالى في غير ما آية من كتابه الكريم أن تباين الناس في المتاع الزائل نسبا ومالا وجاها ما هو إلا دليل على قدرته ومحض ابتلاء واختبار ، لا ميزان قياس يوزن به الناس ..
وقد وعى ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو الواعي الحصيف دوما ، فلم يكن يقدم سادات قريش وفضلاءها على العبيد والموالي ممن شرفهم الله بالدين ، ورفعهم بالسبق إلى الإسلام والاستقامة فيه ، بل كان العدل شعاره دوما ، لا يزن الناس بغير ميزان التقوى الذي أمر الله أن يوزن الناس به : " إن أكرمكم عند الله اتقاكم " ، فكان هو المقياس الوحيد للمنزلة في قلب المصطفى – صلى الله عليه وسلم - ، وكذا أصحابه من بعده ، وفي سائر عهود النور ، وكل عصر كانت التقوى فيه هي الغاية والهدف ..
فلما عظمت الدنيا في القلوب ، وسجدت لها الأفئدة ، وسبحت بحمدها العقول ، انقلب الميزان رأسا على عقب ، وصار المعظم من حاز ( العظيمة ) ، والمحترم من حاز شيئا من متاع ( المحترمة ) ..
وليت هؤلاء يحصلون على شيء من أؤلئك ، وقد جربوهم سنينا وتبين بما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء لا يعون سوى مصلحتهم الشخصية ، ولا يؤمنون إلا بذواتهم ..
أخي الفاضل
إن من العزة والسؤدد والرفعة أن ننزل الناس منازلهم التي وضعوا أنفسهم فيها من حيث التقوى والصلاح ، فنكن كامل الاحترام لمن كان التقوى شعاره ، والدين همه ، ومرضاة رب العالمين هدفه ، ونقدرهم ظاهرا وباطنا ، وقلوبنا تؤمن بمعزتهم ، وتنبض بمحبتهم ..
وما بعد هذه العزة إلا الذلة والمهانة ، حين نتزلف ونتقرب إلى ذوي الجاه والسلطان ، ونقدس أصحاب الأضواء ، وأرباب الشهرة ، الذين جعلوا الدين خلف ظهورهم ، وذاك من سنن الله في أرضه ، فمن اعتز بغير دينه أو طلب العزة بموالاة أعداءه ، ولو بلغوا في الدنيا ما بلغوا فإن الذلة مكتوبة بين عينيه لا يفارقها ولا تزايله ..
وليس لأمثال هؤلاء إلا المجاملة والمداراة الظاهرية ، اتقاء لشرهم ، فهم شر الناس الذين يتقون اتقاء شرهم ..
وإن سمعت من يقدس راتب فلان ويعظم رتبة علان ، ويحاول رفع وظيفة زيد أو يفاخر بنسب عمرو فاعلم أنه لا هم له ولا همة ، ودع سبيله واحمل التقوى ميزانا على كتفيك متى ما أردت الحكم على شخص ضعه في ذلك الميزان ، ودعك من الزخارف والقشور والمظاهر الخداعة ..
فإن ثوب التملق شفاف متلاف ، وميزان التقوى هو العدل والإنصاف  ..

محمد بن سعيد المسقري
Mq99@hotmail.com
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق